فوزي آل سيف

386

رجال حول أهل البيت عليهم السلام

فقال له: معاذ الله يأبى الله لي ذلك ومن أنا منه. فقال العمري: أفإنما أدخلتك إليّ لتفاخرني وتؤذيني؟!. فغضب يحيى وقال: فما تريد منا؟!. قال العمري: أريد أن تأتياني بالحسن بن محمد. فقال: لا نقدر عليه، هو في بعض ما يكون فيه الناس فابعث إلى آل عمر بن الخطاب فاجمعهم كما جمعتنا.. ثم أعرضهم رجلاً رجلاً فإن لم تجد فيهم من قد غاب أكثر من غيبة الحسن عنك فقد أنصفتنا. فحلف العمري بطلاق امرأته وحرية مماليكه أنه لا يخلي عنه أو يجيئه في باقي يومه وليلته وأنه إن لم يجيء به ليركبن إلى (سويقة) فيخربها ويحرقها، وليضربن الحسين ألف سوط!. وحلف بهذه اليمين إن وقعت عينه على الحسن بن محمد ليقتلنه من ساعته!!. فوثب يحيى مغضباً فقال له: أنا أعطي الله عهداً وكل مملوك لي حرّ إن ذقت الليلة نوماً حتى أتيك بالحسن بن محمد، أولا أجده، فأضرب عليك بابك حتى تعلم أني قد جئتك! وخرجا من عنده وهما مغضبان. فقال الحسين ليحيى: بئس ـ لعمر الله ـ ما صنعت حين تحلف لتأتينه به، وأين تجد حسناً؟!. قال: لم أرد أن آتيه بالحسن والله، وإلاّ فأنا نفي من رسول الله  ومن علي  بل أردت إن دخل عيني نوم حتى أضرب عليه بابه ومعي السيف، إن قدرت عليه قتلته.([220]) وهكذا بلغ السيل الزبى.. ولم يعد يمكن الصبر على هذا الأذى والإذلال، وتداعى إلى ذهن الحسين وأخوته كلام جدهم أمير المؤمنين: (الحياة في موتكم قاهرين والموت في حياتكم مقهورين) وصمموا على الحياة بالموت القاهر. وجاء الليل، وكان يمخض بحنين الثورة!! وبيت الحسين يجمع ستة وعشرين رجلاً من العلويين وعشرة من الحجاج ونفر من الموالي، ومرت الساعات ثقالاً بطيئة كأنها تنحت في جبال الزمن، حتى انشق نور الفجر ومعه أسفرت السيوف عن نقابها واتجه الثائرون نحو المسجد صعد أحدهم على المنارة حيث يؤذن المؤذن وقال له والسيف يلقي ظلال الموت على رأسه: أذّن بحي على خير العمل!! فلما نظر إلى السيف أذّن. كأن هذه الكلمات كانت صاعقة.. إنها تثير المرء للعمل الصالح الخير، وتبعثه نحو الجهاد، عاد إلى الناس ذكر رسول الله  وأمير المؤمنين علي ، والأذان الذي كانوا يؤذنون به، وتصور بعضهم- للحظة- أن الزمان قد عاد، وعاد معه الرسول، ليمسح عن الأمة أدران الانحراف، وغبار الفتنة! وخرج الناس سراعاً إلى المسجد لينظروا ما الخبر؟. بينما تحقق والي المدينة أن كابوس الليلة البارحة كان نذير شؤم له. وأحس بالشر ودهش حتى فقد السيطرة على نفسه كاملاً وصاح- بجنون -: اغلقوا البغلة الباب وأطعموني حبتي ماء([221]) ثم مضى هارباً عمى وجهه ليسابق الريح و (يخرج الريح أيضاً) كما يقول صاحب مقاتل الطالبيين!!. واجتمع الناس في المسجد وقام الحسين فيهم خطيباً بعد فراغه من الصلاة فحمد الله وأثنى عليه وقال: أنا ابن رسول الله على منبر رسول الله في حرم رسول الله أدعوكم إلى سنّة رسول الله: أيها الناس: أتطلبون آثار رسول الله في الحجم والعود وتتمسحون بذلك وتضيعون بضعة منه؟!. كان رد فعل السلطة سريعاً، فقد تحركت حاميه مسلحة للسلطة بقيادة خالد البربري وكانت في المدينة، فتصدى لها يحيى بن عبد الله وضرب قائدها على جبينه وعليه البيضة والمغفر والقلنسوة فقطع كل ذلك وأطار قحف رأسه وسقط عن دابته وانهزم أصحابه. وبايع الناس بعدها (على كتاب الله وسنّة رسول الله وعلى أن يطاع الله ولا يعصى وأدعوكم إلى الرضا من آل محمد وعلى أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيه  وعلى العدل في الرعية والقسم بالسوية وعلى أن تقيموا معنا وتجاهدوا عدونا فإن نحن وفينا لكم وفيتم لنا وإن نحن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم). وبعد أن استتب الأمر للحسين في المدينة ولاها ديناراً الخزاعي وخرج مع ثلاثمائة من أصحابه

--> 220 )مقاتل الطالبيين/ 295. 221 )لا يخفى أن الكلمات لم تكن تخرج صحيحة، وذلك من الدهشة والخوف ولقد خلف هذا الموقف له ولذريته ذكراً سيئاً حيث أن ولده أصبحوا يعرفون ببني حبتي ماء!!.